(واِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً)[البقرة: من الآية 125] بمعنى من يلوذ بالبيت من يكون بجوار البيت يعتبر آمناً لا أحد على الإطلاق يتعدى عليه مهما كان بينه وبينه من عداوة. تجد هذه القضية يتجلى فيها رحمة الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك أماكن آمنة للناس وأن تكون تلك المواقع آمنة ما تزال في نفس الوقت يمكن أن تكون مواقع تجارية يمكن للناس أن يذهبوا إليها فيأخذوا أغراضهم ويأخذوا كل حاجياتهم.
يجعل الله أماكن آمنة ويجعل أزمنة آمنة، ألم يجعل الأشهر الحرم أربعة أشهر في السنة يجعلها لا يجوز القتال فيها إلا في ظروف أن يحصل اعتداء من طرف ممن لا يراعون أي شيء من حرمات الله؟ إذاً هنا أزمنة يكون فيها أمن وأماكن يكون فيها أمن؛ لأن البشر بحاجة إلى هذا بحيث لا يكون هناك صراع بينهم لا ينتهي ولا له حد لا باعتبار زمن ولا باعتبار موقع، أن يكون هناك بالنسبة للأمكنة وبالنسبة للأزمنة يجعلها أزمنة آمنة ومكاناً آمناً.
لعظمة البيت عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل ليكونا خادمين للبيت الحرام
يقول السيد حسين رضوان الله عليه في الدرس السابع من دروس رمضان:
(وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)[البقرة: من الآية125] أن يكونا خادمين لهذا البيت، نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل نبيان من أعظم أنبياء الله، مهمتهم رعاية هذا البيت، وتسهيل مهمة الطواف، والركوع والسجود، أي أن يكون هذا البيت بالشكل الذي يستطيع الناس أن ينالوه وبخدمات تتوفر لهم حتى يثوبوا إليه، ويقوموا بتفاصيل عبادية تؤدى نحوه.
(أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) وهو الذي قال لـه في آية أخرى (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)[الحج: من الآية27] أليس هؤلاء الناس وهم يتجهون إلى البيت الحرام، ويطوفون حوله، ويصلون حوله، يجعل من مهامه الرئيسية: أن يكون خادماً لهؤلاء، يحاول أن يكون خادماً لهذا البيت بالشكل الذي يسهل عملية العبادة عند هذا البيت، وأن يحج إليه الناس، ويثوبوا إليه.
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِنا)[البقرة: من الآية126] لأنه يعرف أن يكون هذا المكان هو مثابة للناس أن الجانب الأمني مهم، الجانب الأمني سواء من الجهة التي تعتبر نفسها قائمة عليه، أو فيما بين الناس أنفسهم، عندما تلقى من اعتدى عليك، عندما تلقى قاتل ابنك، أو قاتل أبيك، أو أي شخص ليس محلاً أبداً أن تنتقم فيه من أحد.
وارزق أهله من الثمرات
(رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)[البقرة: من الآية126] كيف اهتمام الأنبياء أنفسهم، اهتمام الأنبياء بما هو من معالم دين الله، واهتمامهم أيضاً فيما يتعلق بالناس، وبالذات الناس القريبين من هذا البيت الحرام لئلا يصبحوا أناساً يستغلون الوافدين إليه، وفر لهؤلاء، أرزقهم، وليس فقط سيدعو لهؤلاء فقط؛ لأنه عندما يكون المحيطون لهذا البيت، ومن هم في طريق الوصول إلى هذا البيت الحرام رزقهم متوفر قد يشكل هذا أمناً بالنسبة للناس، أمناً من السطو على ممتلكاتهم، وأمناً من استغلالهم: استغلالهم في أقواتهم، استغلالهم في توفير المسكن والطعام والشراب لهم، لكن عنده كراهة شديدة بالنسبة للكافرين بالنسبة للظالمين (مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)[البقرة: من الآية126].
لاحظ من الناحية الأمنية أنه حتى ولو هم أناس عاصون في ذلك المحيط قد يهيئ الله أرزاقهم رعاية لمن؟ رعاية لمن يفدون إلى هذا البيت؛ ليكون فيما يتعلق بالجانب الأمني يتوفر للناس أمن، ولكن اتركهم يعتبر متاع بالنسبة لهم قليل (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .
إذاً فهذه ترد على من يقدر بأنه أولئك الناس هم على حق بحجة أنه (لاحظ كيف الباري مدهم!..) كان يمد قريشاً (الَّذِيْ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوْعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) وهم مشركون لكن على هـذه القاعدة:
(وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً)[البقرة: من الآية126] ممكن حتى ويتوفر لـه رزقه لكن وسيؤاخذ مؤاخذة شديدة.
لماذا يوفر له رزقه؟ لأنه عسى أن يكون في توفير رزقه مأمن من أن يسطو على الآخرين، ويستغل الآخرين الذين يثوبون إلى هذا البيت، ويتجهون إلى العبادة التي هي مرتبطة بأدائها على نحو معين عند ذلك البيت، ليس معناه أنه عندما أعطاهم أنهم أهل الحق، وأنه قد اعتبرهم أهل الحق؛ لأن الباري قد أعطاهم، وأعطاهم، وأعطاهم، وأشياء من هذه! لا، ستكون هذه مسئولية كبيرة جدًّا، وخطورة بالغة جدًّا عليهم عندما يتوفر لهم الرزق؛ ومن الاعتبارات الهامة في توفيره من أجل الآخرين.
البيت الحرام هو مثابة للناس





